السيد كمال الحيدري

207

التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)

« اعتقد الإفرنج أنّه لا فرق بين الاعتقاد بالقضاء والقدر وبين الاعتقاد بمذهب الجبريّين بأنّ الإنسان مجبور جبراً محضاً في جميع أفعاله ، وتوهّموا أنّ المُسلِّمين بعقيدة القضاء والقدريين أنفسهم كالريشة في الهواء تقلّبها الريح كيفما تعمل . ومتى رسخ في نفوس قوم أنّه لا اختيار لهم في قول ولا عمل ولا حركة ولا سكون ، وإنّما جميع ذلك بقوّة جابرة وقدرة قاسرة ، فلا ريب تتعطّل قواهم ويفقدون ثمرة ما وهبهم الله من المدارك والقوى ، وتمحى من خواطرهم داعية السعي والكسب ، وأجدر بهم بعد ذلك أن‌يتحوّلوا من عالم‌الوجود إلى عالم الفناء . وهكذا ظنّت طائفة من الإفرنج ، وذهب كثيرون من ضعاف العقول في الشرق ، ولست أخشى أن أقول : كذب الظانّ وأخطأ الواهم وبطل الزاعم وافتروا على الله والمسلمين كذباً » « 1 » . أمّا المحتوى العلمي لنظرية التفسير عند عبده فلم يزد على مساوقة القدر بالسنن الإلهية ، إذ جاء القدر « في تقرير السنن الإلهية المعروفة بنواميس الكون » « 2 » بحسب وصف القرآن الكريم ، وليس هو شيئاً آخر . ثمّ في نصّ أوضح وأطول : « ليس من الممكن لمسلم أن يذهب إلى ارتفاع ما بين حوادث الكون من الترتيب في السببية والمسبّبية إلّا إذا كفر بدينه قبل أن يكفر بعقله ! . . إنّ لله في الأمم والأكوان سنناً لا تتبدّل . . وهى التي تسمّى شرائع أو نواميس أو قوانين . . ونظام المجتمعات البشرية وما يحدث فيها هو نظام واحد لا يتغيّر ولا

--> ( 1 ) العروة الوثقى ، جمال الدين الأفغاني ومحمّد عبده ، بيروت ، دار الكتاب العربي ، ص 92 91 ؛ نقلًا عن : مشكلة الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث ، ص 176 175 . أيضاً : أسس التقدّم عند مفكِّرى الإسلام ، ص 202 ؛ مفهوم الحرية في الفكر العربي الحديث ، ص 320 . ( 2 ) الإسلام بين العلم والمدنيّة ، الشيخ محمّد عبده ، ص 77 ؛ مشكلتا الوجود والمعرفة في الفكر الإسلامي الحديث ، ص 177 .